لقد أتعبني البحث عن كتاب يقدم لي حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل مختصر وبسيط ومشوق ومؤثر . ومن ضمن الكتب التي تحقق بها مرادي كان كتاب ” صور من حياة الصحابة ” للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا …
هذا الكتاب الذي يقدم لمحات من حياتهم رضوان الله عليهم جميعا ، في تلك اللمحات دعوة للتفكر والتأمل في صدق إيمانهم وقوة يقينهم ، ودعوة لإعادة النظر في ماهية إيماننا وتعزيز يقيننا .
يقدم هذا الكتاب حياة الصحابة من خلال صور مختصرة ومباشرة ، ليتضح للقاريء أن لكل صحابي صفة خاصة تميز بها عن الآخر ، وما أجمل صفاتهم جميعا .
ومن هؤلاء الصحابة … صحابي اجبر قلمي ليكتب عنه في هذا المقال ، واستفزه لما فيه من صفات يصعب أن تجتمع في شخص واحد ، ولكنها قد اجتمعت في شخصه وتوجها قوة إيمانه وتعلقه بالآخرة …
موقف واحد له ، قصّه علينا الدكتور في كتابه ، جعلني انظر للدنيا بقلب غير متشبث بها .
هذا الصحابي الجليل هو ” سعيد بن عامر الجمحي ” رضى الله عنه …
وإليكم الموقف كما قصّه علينا الدكتور في كتابه في صفحة 26 :
( … أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ديار الشام ليتفقد أحوالها ، فلما نزل بحمص – وكانت تدعى الكويفة وهو تصغير للكوفة وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم كما كان يفعل أهل الكوفة – فلما نزل لقيه أهلها للسلام عليه فقال : كيف وجدتم أميركم – وهو سعيد بن عامر الجمحي – ؟ …
فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله ، كل واحد منها أعظم من الآخر . قال عمر : فجمعت بينه وبينهم ، ودعوت الله ألا يخيب ظني فيه ، فقد كنت عظيم الثقة به … فلما أصبحوا عندي هم وأميرهم قلت : ما تشكون من أميركم ؟ … قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ؟ … فقلت : وما تقول في ذلك يا سعيد ؟ … فسكت قليلا ، ثم قال : والله إني كنت أكره أن أقول ذلك , أما وإنه لا بد منه ، فإنه ليس لأهلي خادم ، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم ، ثم أتريث قليلا حتى يختمر ، ثم أخبزه لهم ، ثم أتوضأ وأخرج للناس … قال عمر : وما تشكون منه أيضا ؟ قالوا : إنه لا يجيب أحدا بليل . قلت : وما تقول في ذلك يا سعيد ؟ … قال : وإني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا ، فأنا قد جعلت النهار لهم ، والليل لله عز وجل … قلت : وما تشكون منه أيضا ؟ . قالوا : إنه لا يخرج إلينا يوما في الشهر . قلت : وما هذا يا سعيد ؟ … قال : ليس لي خادم يا أمير المؤمنين ، وليس عندي ثياب غير التي علي ، فأنا أغسلها في الشهر مرة وانتظرها حتى تجف ، ثم أخرج إليهم في آخر النهار . ثم قلت : وما تشكون منه أيضا ؟ . قالوا : تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه . فقلت : وما هذا يا سعيد ؟ … فقال : شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ، ورأيت قريشا تقطع جسده وهي تقول له : أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فيقول والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي وأن محمدا تشوكه شوكة … وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي … وأصابتني تلك الغشية .
عند ذلك قال عمر : الحمد لله الذي لم يخيب ظني بك . )
فما أعظمه من موقف ، وما أروعه من صحابي جليل ، تخلق بأخلاق القرآن التي تخلق بها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه .
إنه الصحابي الذي وصفه المؤرخون بأنه رجل اشترى الآخرة بالدنيا وآثر الله ورسوله على سواهما … فلقد عُرِف سعيد بن عامر بصدقه وتقواه … وهو الذي دخل على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في أول خلافته ليقول له ” يا عمر ، أوصيك بأن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله ، وألا يخالف قولك فعلك ، فإن خير القول ما صدقه الفعل … “
لقد كان سعيد والي وحاكم يتق ِ الله حق تقاته ، خادم للناس ولأهل بيته في الوقت نفسه ، لا يستكبر بأن يخدم أهل بيته أو أن يخدم الناس ، بل ويعدل بينهم ويعطي كل ذي حق حقه …
وكان زاهدا في هذه الدنيا ، لا يشتهي مالا ولا ثيابا ولا حب سلطة ، بل جل ما اشتهاه رضوان ربه عليه ، ويقين ونور يزيد في قلبه ، وتعلق شديد بالآخرة …
ومن الأشياء التي وقفت أمامها متعجبة ، هو حديثه عن مصرع خبيب بن عدي ، واستحضاره لهذا المشهد في كل وقت ، وندمه وحسرته على عدم نصرته لهذا الشخص ، وخوفه من أن لا يغفر الله له هذا الذنب …
وقفت أمام هذا المشهد ، وتذكرت حال الآمة وهي تشاهد ما يحدث لإخواننا كل يوم في غزة وغيرها من بلاد المسلمين ، وتتعجل وتتأهب لتغير قناة العرض حتى تستعد لمشاهدة فيلم أو كليب للنجم الآسطورة كذا أو النجمة المعجزة الملكة كذا … وحسبنا الله ونعم الوكيل في كذا وكذا .
لا أملك الآن سوى أن أختم مقالي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . )