الجدوى التي تكمن وراء النص
في لحظة ما علينا أن نصمت لنناقش أنفسنا... لماذا كل هذا الحماس الملتهب
للكتابة...؟
لابد وأن هناك سببا وجد ذلك الحماس من أجله ومن المحتم أن تكون هناك نتيجة يفضي
إليها ذلك التراكم الروحي الذي نعبر عنه بواسطة اللغة.
إن ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا من خلال الكتابة قد يتجاوز كل ما نعتقد بأننا قادرون
على إنجازه, فكل شيء حولنا يصرخ فينا و يحتاجنا لأن نصطدم به و نتفجر معه بلغة
حقيقية لا تتراجع أو تنحسر قبل لحظة الاصطدام .
من العبث والسطحية والسذاجة أن ندعي بأننا لا نكتب إلا خلاصة مشاعرنا الداخلية التي
ترتبط بالغريزة الآدمية أكثر من ارتباطها بقيم الوجود و الحقوق والواجبات, وأستغرب
حقيقة أن يتم الإشادة بسلسلة لا نهائية من كلام العواطف الذي يعبر انابيباً فارغة
ومتصلة ببعضها , لا تغير ولا تتغير ولا تعكس أي وجه حقيقي من وجوه الواقع الذي
نعيشه . بنسبة الفرح الذي فيه وبنسبة التعاسة والموت والتجرد .
من المضحك طبعا أن نطالب كل جيوش المراهقين والعاطلين عن الفعل بتبني سلسلة من
القضايا الشائكة و ربطها بمحتوى إنتاجهم الفكري . أو حتى محاولة التنويه لمشاكل
اجتماعية خطيرة أصبحوا يتلذذون ( باللاوعي ) بطريقة تعايشهم المستحيلة معها مثل
مشكلة الديكتاتورية المستفحلة أو مشكلة الجوع أو أزمة السكن أو العنصرية الطبقية
أو ضياع حقوق المواطنة أو البطالة أو العولمة أو التطرف أو القهر الفكري أو
إنعدام حرية الرأي وحرية الصحافة وحرية التعبير وحرية المرأة والحريات الشخصية
وتراجع مستوى التعليم أو حتى مناقشة مشاكل أقل وطئة و أخف حدة كمشكلة الغلاء و
إرتفاع أسعار السلع قياسا بقيمة دخل الفرد وتراجع الذوق العام و المحسوبيات والفساد
والرشوة علاوة على المشاكل الفكرية التي تحيط نفسها بهالة مقدسة من الشعارات
والدعايات والخرافات السياسية كالطروحات الإيديولجية السقيمة والخطاب السياسي
المزدوج والتخبط الإعلامي بين تقنيات الغرب و فبركة وتضليل الشرق .
من المؤكد أن تلك العناوين الكبيرة لا تمس أفكار الكثير من المدجنين إجتماعيا
وبالتالي لا يشعرون بتأثيرها على مسلك يومياتهم التي تتكرر بلا نتائج أو محصلات
مهمة على الصعيد الشخصي أو الإجتماعي العام . فتكون تلك الأفكار أبعد مما يمكن أن
يصل إليه الخيال المتفجر بالحب والعشق والأحاسيس العالية .
أن تلك الغريزة الآدمية تدفعنا الى الجزم بالمطلق بأن العاشق المتفجر بالاحاسيس
تجاه إمرأة يمكن أن يتفجر عشقا تجاه الأرض والمجتمع وما يرغب في أن يصل إليه من
إكتمال ناجز .
ومن خلال ذات اللغة الشفافة والمفعمة بالخيال والحلم يمكننا أن نجسد الحقيقة و نكشف
وجوه الواقع و ننغمس بيومياتنا التي نعيشها وليس تلك التي نتمناها أو نتخيلها .
فخطوط الحب لا تتقاطع أبدا وقصيدة الحب التي تزحزح القمر من مكانه يمكن ان تضيء
قليلا هنا , وقليلا هناك . وتخترق الصمت و تنفجر بوجه الفراغ و الانقطاع والسطحية .
وتجعلنا نشعر بأننا جزء مما يحدث لنا و من خلالنا وليس الإكتفاء بالجلوس على مقاعد
المتفرجين و إطلاق أدعية يتيمة توارثناها من عجائزنا .
أعلم أن الأمر يحتاج للكثير من الثقافة الشخصية والكثير من الفلسفة لتكسير صديد
الذات وتجريدها من إنشغالاتها الصغيرة والتافهة ومن ثم الخروج بها إلى الأعلى , حيث
يظهر العالم كله متساويا وواحدا ومثيرا للإهتمام ...
معن الجيزاني
http://www.alaglam.net/vb/showthread.php?t=5150